من العجز إلى الخطى الأولى: قصة مَلاذ الملهمة
قبل أربعة أعوام، جاءت مَلاذ علي إلى العالم تحمل في عينيها بريق الأمل، لكنها كانت مثقلة بواقع قاسٍ: ضمور عظمي شديد حاصر جسدها الصغير وكاد يشلّ حركته بالكامل. كان وضعها يعني أنه بينما يمرح الأطفال الآخرون في سنواتهم الأولى، كانت خطوات مَلاذ مجرد همسات مترددة، بالكاد قادرة على حمل عبء الطفولة نفسها.
ومع مرور الوقت، ازداد المشهد قسوة؛ ظلّت روحها بلا حدود، لكن جسدها رفض التعاون. كانت تشاهد الأطفال يلعبون ويركضون، فتشاركهم أحلامها بخيالها، بينما تبقى أطرافها ثقيلة لا تستجيب. كثيرًا ما سقطت، وانهمرت دموعها على وجنتيها، في حين وقف والداها عاجزين، يعتصر الألم قلبيهما بصمت أمام معاناتها.
وحين بدا اليأس وكأنه يبتلع ما تبقى من الأمل، انطلق والدها في بحث لا يعرف الكلل عن حل. أثمر بحثه أخيرًا عندما اكتشف مركز الملك سلمان للأطراف الصناعية وإعادة التأهيل في عدن. وفي تلك اللحظة، لم يُفتح باب إلى منشأة فحسب، بل إلى إمكانية جديدة بالكامل.
استقبل المركز مَلاذ بحفاوة وعناية صادقة. فحصها الطبيب المختص بدقة شديدة، وقيّم شدة التشنج العضلي وحدود الحركة لديها. ثم قال لأسرتها بكلمات حملت طمأنينة غيرت مسار حياتهم:
“نحن معكم… وسنفعل كل ما نستطيع.”
بدأت بعدها رحلة إعادة تأهيل شاقة لكنها مليئة بالأمل. عمل المعالجون بصبر ولطف، بدءًا بتمارين صغيرة لتنشيط قدميها، ثم تقوية عضلاتها الضعيفة تدريجيًا، وتعليمها الوقوف، ثم التوازن، وأخيرًا المشي. كانت هناك لحظات ممزوجة بدموع الألم، وأخرى تتلألأ فيها انتصارات صغيرة عندما يصبح تحريك قدمها بالكاد مرئيًا سببًا للاحتفال. ومع ذلك، لم تستسلم مَلاذ أبدًا؛ فقد أثبتت روحها أنها أقوى من حدود جسدها.
وبعد شهور من جلسات الأمل والعمل، تتابعت التحولات شيئًا فشيئًا. ثم جاء ذلك المشهد الفاصل المنقوش في ذاكرة أسرتها إلى الأبد:
وقفت مَلاذ معتدلة على قدميها. خطوة… ثم أخرى… ثم مشت نحو والدها، الذي ارتعشت يداه وهو يحتضنها، كأنه استعاد العالم كله في تلك اللحظة الواحدة.
اليوم، تتحرك مَلاذ بحرية، تلعب بمرح، تمشي بثقة، وتستعيد طفولتها التي كانت تستحقها. إن رحلتها من العجز إلى الاستقلال تقف شاهدًا على مستوى العناية والإصرار الذي لا يلين.